أثار منتدى «مصر 2026»، الذي نظمته السلطات المصرية لاستعراض ما تصفه بإنجازات الدولة خلال سنوات حكم رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، تساؤلات بشأن أولويات الحكومة وجدوى الإنفاق على الفعاليات الترويجية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والأعباء المعيشية على المواطنين.
ويرى تقرير نون بوست أن الفجوة بين الأرقام التي عرضها المسؤولون والواقع اليومي للمصريين أعادت فتح النقاش حول مصداقية الخطاب الرسمي ومدى انعكاس المشروعات المعلنة على حياة المواطنين.
ونشر موقع «نون بوست» التقرير مستعرضًا ملابسات تنظيم المنتدى الذي انطلقت فعالياته في الفترة من 19 إلى 25 أكتوبر بمركز المؤتمرات في فندق سانت ريجيس بالعاصمة الإدارية الجديدة، عقب توجيه أصدره السيسي في 26 أغسطس للحكومة بإعداد تقرير شامل يوثق إنجازات سنوات حكمه، ويعرض حجم المشروعات المنفذة والأموال التي أنفقتها الدولة عليها. وسبق انعقاد المنتدى، الذي أطلق عليه بعض وسائل الإعلام اسم «مؤتمر الإنجازات»، ترويج إعلامي واسع أثار جدلًا بشأن توقيته وتكاليفه وأهدافه.
توقيت المنتدى وتكاليفه يثيران تساؤلات حول أولويات الحكومة
بدأت التساؤلات حول المنتدى من توقيته والهدف المعلن منه، إذ تشهد المنطقة اضطرابات متصاعدة تمتد من غزة واليمن إلى السودان وليبيا وإثيوبيا والقرن الأفريقي، بالتزامن مع الحرب المشتعلة بين إيران والولايات المتحدة وما تفرضه من تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية معقدة.
وفي ظل هذه الأوضاع الإقليمية، بدت الحكومة المصرية منشغلة بتعبئة مواردها لتنظيم فعالية واسعة تستعرض خلالها ما تعتبره إنجازات السلطة على مدار سنوات حكمها، وهو ما أثار انتقادات بشأن ترتيب الأولويات الرسمية في مرحلة شديدة الحساسية.
ولم يقتصر الجدل على توقيت المنتدى، بل امتد إلى فكرته وطريقة تنظيمه وتكاليفه المرتفعة، بينما يكافح مواطنون لتلبية احتياجاتهم الأساسية ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. ويرى التقرير أن تخصيص فعالية بهذا الحجم، تحظى بحشد حكومي وإعلامي واسع، لاستعراض سجل الإنجازات يعيد إلى الأذهان أساليب دعائية سادت خلال خمسينيات القرن العشرين وستينياته، حين اعتمدت السلطات على المؤتمرات الجماهيرية والمناسبات الرسمية لتقديم روايتها عن النجاح.
لكن المفارقة الأبرز، وفقًا للتقرير، لا تكمن في غياب الإنجازات أو محدودية أثرها فحسب، بل في تركيز الخطاب الرئاسي على عدم الترويج لها بالقدر الكافي، وعدم نجاح الحكومة في إقناع المواطنين بحجم ما أُنجز رغم التحديات التي تواجه الدولة. ويشير ذلك إلى خلل في ترتيب الأولويات لدى المسؤولين عن إدارة البلاد.
فبدلًا من أن يشعر المواطنون بثمار المشروعات من خلال تحسن مستويات المعيشة وجودة الخدمات، برزت الحاجة إلى تنظيم مؤتمر واسع لإقناعهم بما تحقق. ويطرح هذا التناقض سؤالًا جوهريًا بشأن ما إذا كان المنتدى يسعى إلى بناء الثقة في الأداء الحكومي أم إلى تحسين صورته أمام جمهور يواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة.
مشاركة الخبراء بين الحوار الحقيقي واستكمال المشهد الرسمي
قبل افتتاح المنتدى، قدمت الجهات المنظمة تأكيدات بأنه سيستوعب تيارات فكرية وسياسية متنوعة، ويتيح عرض وجهات نظر مختلفة، ويستفيد من خبرات كبار العلماء والأكاديميين في مناقشة التحديات التي تواجه الدولة. لكن روايات بعض المشاركين كشفت، بحسب التقرير، عن فجوة بين هذه الوعود وما جرى خلال الجلسات، وأثارت تساؤلات بشأن جدية الحوار والمساحة المتاحة للاختلاف.
وتبرز تجربة الدكتور أمجد عمارة، العميد السابق لكلية التجارة بجامعة المنوفية، مثالًا على هذه الفجوة. فقد وصف مشاركته في مائدة مستديرة تناولت زيادة موارد النقد الأجنبي وإدارة ديون الدولة بأنها تجربة «مهينة»، رغم تلقيه دعوة للمشاركة بتوجيه رئاسي.
وأوضح عمارة، الذي يمتلك خبرة واسعة في المجال، أنه اقتطع ألف جنيه من معاشه الشهري الذي لا يتجاوز خمسة آلاف جنيه، أي أقل من مئة دولار، لتغطية تكاليف السفر والحضور. لكنه فوجئ، وفق روايته المنشورة على صفحته في فيسبوك، بتأجيل الجلسة لأكثر من ساعة ونصف الساعة.
كما انتقد ترتيب المقاعد، معتبرًا أنه عكس تمييزًا واضحًا بين المشاركين؛ إذ جلس الوزراء وكبار المسؤولين في دائرة داخلية على مقاعد فاخرة ومريحة، بينما جلس الضيوف الآخرون في صفوف خارجية على مقاعد ضيقة وغير مريحة.
وامتدت انتقاداته إلى طريقة إدارة النقاش، إذ قال إن الجلسة تحولت إلى سلسلة من الأسئلة التي بدا أنها أُعدت مسبقًا، ووجهها مدير الجلسة إلى الوزراء وكبار المسؤولين. واستحوذ هؤلاء على النقاش لأكثر من ساعتين ونصف الساعة، دون إتاحة فرصة حقيقية للخبراء والأكاديميين المدعوين لطرح آرائهم أو تقديم مقترحاتهم بشأن إحدى أبرز الأزمات الاقتصادية التي تواجه مصر.
وأضاف عمارة، الحاصل على درجة الدكتوراه في مجال يرتبط بموضوع الجلسة، أنه شعر بالإهانة والتهميش بعدما انتهى النقاش دون دعوة الحاضرين إلى إبداء آرائهم أو طرح أسئلتهم، باستثناء تعليق عام لم يستغرق سوى نصف دقيقة قبل اختتام الجلسة.
ورأى أن المشاركين من خارج الدوائر الرسمية عوملوا باعتبارهم مجرد «ديكور» لاستكمال المشهد وإضفاء مظهر يوحي بوجود حوار، بدلًا من التعامل معهم كشركاء حقيقيين في مناقشة التحديات الاقتصادية والبحث عن حلول لها.
وطرح عمارة تساؤلًا يتجاوز تجربته الشخصية إلى جوهر المنتدى نفسه: ما جدوى دعوة الخبراء والمثقفين والمواطنين إلى مؤتمر يُفترض أنه مخصص للحوار وتبادل الآراء، إذا اقتصر دورهم على الاستماع إلى المسؤولين دون المشاركة الفعلية؟ وهل استهدفت الدعوات الاستفادة من خبراتهم في معالجة أزمات البلاد، أم توظيف حضورهم لمنح رواية رسمية تسعى إلى تحسين صورة الحكومة والدفاع عن سجلها قدرًا من القبول المجتمعي؟
أرقام الحكومة تصطدم بواقع المواطنين وتعيد الجدل حول الإنجازات
اتخذت فعاليات المنتدى، وفقًا للتقرير، شكل خطاب سياسي وإعلامي أحادي الاتجاه في كثير من الأحيان، إذ قدم السيسي ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي وأعضاء الحكومة وشخصيات إعلامية ونخبوية مختارة روايات متشابهة عن سجل سنوات حكم السيسي الاثنتي عشرة، وصوروه باعتباره سلسلة من الإنجازات الاستثنائية وغير المسبوقة التي يصعب تحقيقها في ظل قيادة أخرى أو خلال الفترة الزمنية نفسها.
وعزز السيسي هذه الرواية بقوله إن ما تحقق خلال سنوات حكمه كان سيستغرق نحو ثلاثين عامًا في الظروف العادية، وهو تقدير كرره مدبولي. ووفقًا للتقرير، انهمر مدبولي في البكاء أثناء حديثه عن أحد المشروعات، بينما شاركه السيسي تأثره.
ولا تُعد الاستعانة بفكرة «رفع الروح المعنوية» لتبرير القرارات والمشروعات الكبرى أمرًا جديدًا في خطاب السيسي. فقد استخدم المبرر نفسه عند الحديث عن مشروع قناة السويس الجديدة، الذي بلغت تكلفته نحو 8.2 مليار دولار، قائلًا إن رفع الروح المعنوية للمصريين كان أحد أهدافه. وأثار المشروع آنذاك انتقادات واسعة بشأن مدى توافقه مع الأولويات الوطنية والعائد الاقتصادي المتوقع مقارنة بحجم الأموال التي أُنفقت عليه.
لكن التقرير يرى أن المنطق نفسه عاد للظهور هذه المرة، مع اختلاف الجمهور المستهدف؛ فبعد أن طُرح رفع الروح المعنوية للمواطنين مبررًا لمشروع وطني ضخم، أصبح رفع الروح المعنوية للحكومة، وفقًا لتصريحات السيسي، أحد أسباب تنظيم منتدى واسع لاستعراض سجلها والدفاع عنه في مواجهة الانتقادات.
ويكشف هذا النهج، بحسب التقرير، عن تناقض سياسي لافت؛ فبعد سنوات طالبت خلالها السلطات المواطنين بتحمل تكاليف الإصلاح الاقتصادي والتحلي بالصبر انتظارًا للنتائج، يبدو أن الانتقادات الشعبية باتت تُعامل باعتبارها عبئًا على الروح المعنوية للحكومة، يستدعي تدخلًا رئاسيًا لدعمها، بدلًا من اعتبارها مؤشرًا يستوجب مراجعة السياسات وتقييم آثارها على المجتمع.
وفي نهاية المطاف، يثير هذا التناقض تساؤلات بشأن الغاية من المنتدى، الذي قال السيسي إنه سيصبح فعالية سنوية. فهل استهدف إقناع المصريين بحجم الإنجازات المعلنة، أم حثهم على دعم الحكومة والامتناع عن انتقادها رغم استمرار الفجوة بين الأرقام الرسمية وتجاربهم اليومية؟ أم سعى إلى تعزيز شعبية السيسي في ظل استياء شعبي من عدم تلبية الحد الأدنى من تطلعات المواطنين وتزايد الأعباء التي يتحملونها؟
https://www.noonpost.com/en/386887/amp/

